الشوكاني
353
فتح القدير
الشرك فرغت منه السماوات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين وكادت تزول منه لعظمة الله سبحانه ، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك كذلك يرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين ، وفى قوله ( وتخر الجبال هدا ) قال : هدما . وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والطبراني والبيهقي في الشعب من طريق عون عن ابن مسعود قال : إن الجبل لينادي الجبل باسمه ، يا فلان هل مر بك اليوم أحد ذكر الله ؟ فإذا قال نعم استبشر . قال عون : أفيسمعن الزور إذا قيل ولا يسمعن الخير ؟ هن للخير أسمع ، وقرأ ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ) الآيات . سورة مريم الآية ( 96 - 98 ) ذكر سبحانه من أحوال المؤمنين بعض ما خصهم به بعد ذكره لقبائح الكافرين قال ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) أي حبا في قلوب عباده يجعله لهم من دون أن يطلبوه بالأسباب التي توجب ذلك كما يقذف في قلوب أعدائهم الرعب ، والسين في سيجعل للدلالة على أن ذلك لم يكن من قبل وأنه مجعول من بعد نزول الآية . وقرئ " ودا " بكسر الواو ، والجمهور من السبعة وغيرهم على الضم . ثم ذكر سبحانه تعظيم القرآن خصوصا هذه السورة لاشتمالها على التوحيد والنبوة ، وبيان حال المعاندين فقال ( فإنما يسرناه بلسانك ) أي يسرنا القرآن بإنزالنا له على لغتك ، وفصلناه وسهلناه ، والباء بمعنى على ، والفاء لتعليل كلام ينساق إليه النظم كأنه قيل : بلغ هذا المنزل أو بشر به أو أنذر ( فإنما يسرناه ) الآية . ثم علل ما ذكره من التيسير فقال ( لتبشر به المتقين ) أي المتلبسين بالتقوى ، المتصفين بها ( وتنذر به قوما لدا ) اللد جمع الألد ، وهو الشديد الخصومة ، ومنه قوله تعالى - ألد الخصام - قال الشاعر : أبيت نجيا للهموم كأنني * أخاصم أقواما ذوي جدل لدا وقال أبو عبيدة : الألد الذي لا يقبل الحق ويدعى الباطل ، وقيل اللد الصم ، وقيل الظلمة ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن ) أي من أمة وجماعة من الناس ، وفى هذا وعد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهلاك الكافرين ووعيد لهم ( هل تحس منهم من أحد ) هذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها : أي هل تشعر بأحد منهم أو تراه ( أو تسمع لهم ركزا ) الركز الصوت الخفي ، ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض . قال طرفة : وصادفتها سمع التوجس للسرى * لركز خفي أو لصوت مفند وقال ذو الرمة : إذا توجس ركزا مقفر ندس * بنبأة الصوت ما في سمعه كذب أي : في استماعه كذب بل هو صادق الاستماع ، والندس الحاذق ، والنبأة الصوت الخفي . وقال اليزيدي وأبو عبيدة : الركز ما لا يفهم من صوت أو حركة . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف أنه لما هاجر إلى المدينة وجد